محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

19

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

فلم أر إلّا واضعا كف حائر * على ذقنه أو قارعا سنّ نادم حقيقة : كل حقيقة أخذتها عن الغير ، ودلتك على سواء في السير فهي لك حجاب في الحال والمآل هذا ، وإن دققت أفكار الأنظار فطير العناء في جو الخيبة بك قد طار ، فاترك العقل المعقول ، وكثرة الأبحاث والفضول . عقل عقلك بالأوهام معقول * قد قلّب القلب منك القال والقيل تهيم في مهمه الأوهام من وله * أفاده فيك معقول ومنقول نحت بالفكر معبودا وقلت به * وذاك عقد بكفّ الحقّ محلول قد عشت مثلك دهرا في مكابدة * ولي فؤاد بهذا الداء معلول دقيقة : ما شهد الحقّ من استدلّ عليه ، وما وصل إليه من زعم أنه يسير إليه ؛ إذ لو شهده لكان برؤيته في طرب ، ولو وصل إليه لزال عنه التعب . حقيقة : الموحّد من فنيت رسومه في حضرات التوحيد ، وأنس بالواحد في مقامات التفريد غلب عليه الشهود بمرايا الكائنات ، وجلّى ما تجلّى له فيها من حقائق الأسماء والصفات ، فأنشأ لسان تحقيقه في مسالك طريقه « 1 » .

--> ( 1 ) قال أبو يعزى شيخ مدين : « إذا نظرت إلى نفسي لم أر إلا اللّه ، وإذا نظرت إلى اللّه لم أر سواي » . وقال أبو الحسن الخولي : « من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لو لاه محال » . وقال سيدي عمر بن الفارض : وما هي إلا إن بدت بمظاهر * فظنّوا سواها وهي فيهم تجلّت وقال السيد قطب الدين بن سبعين : « اللّه في كلّ شيء بكلّه ، وليس فيه الكل والبعض ، فهو لا شك ظاهر وباطن ، أول وآخر ، وهو باد وملتم لا تقل : كيف لي به ؟ فيه عنه تفهم » . فهذه الأقوال شاهدة بأنه لا وجود سواه ، بل هو الشاهد من الشاهد ، والمشهود من المشهود . وقال الشيخ الكامل المحقق محمد المدعو بدمرداش المحمدي الصوفي : « هو الاسم والمسمّى ، والأول بلا أولية ، والآخر بلا آخرية ، والظاهر بلا ظاهرية ، والباطن بلا باطنية ، فلا أول ، ولا آخر ، ولا ظاهر ، ولا باطن إلا هو لا هو في شيء ، ولا شيء فيه ، ولا هو داخل ، ولا هو خارج ، وينبغي أن تعرفه بهذه المعرفة لا بالعقل ، ولا بالفهم ، ولا بالوهم ، ولا بالحس ، ولا بالعين الظاهر ، ولا الباطن ، ولا يعلم ما هو إلا هو بنفسه يرى نفسه ، وبذاته يعلم ذاته لا يراه غيره ، ولا يدركه سواه لا نبي مرسل ، ولا ولي مقرب » انتهى . شعر : جمالك في كلّ الحقائق سائر * وليس له إلا جلالك ساتر